كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدًا، لأنها غير قابلة للتطبيق. ولكن الإسلام كما ذكرنا لا يقيم بناءه على العقوبة، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة؛ وعلى تهذيب النفوس، وتطهير الضمائر؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب. فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة. ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود. أو الذين يرغبون في التطهير بإقامة الحد عليه كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية. وقد جاء كل منهما يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطهره بالحد، ويلح في ذلك، على الرغم من إعراض النبي مرارًا؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات. ولم يعد بد من إقامة الحد، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب».
فإذا وقع اليقين، وبلغ الأمر إلى الحاكم، فقد وجب الحد ولا هوادة، ولا رأفة في دين الله. فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة، وعلى الآداب الإنسانية، وعلى الضمير البشري. وهي رأفة مصطنعة. فالله أرأف بعباده. وقد اختار لهم. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. والله أعلم بمصالح العباد، وأعرف بطبائعهم، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية، فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا، وتفسد فيها الفطرة، وترتكس في الحمأة، وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى.
والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة، وتطهير الجو الذي تعيش فيه. والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة كما قلنا إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من من رائحة الجريمة.
لذلك يعقب على حد الزنا بعزل الزناة عن جسم الأمة المسلمة. ثم يمضي في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة؛ فيعاقب على قذف المحصنات واتهامهن دون دليل أكيد.
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون}.
إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكارًا بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحًا لكل من شاء أن يقذف بريئة او بريئًا بتلك التهمة النكراء؛ ثم يمضي آمنًا! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة؛ وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار.
وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق.
ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث؛ وأن الفعلة فيها شائعة؛ فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها!
ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه؛ والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء.
لهذا، وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم.. شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا.. ثمانين جلدة.. مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق.. والعقوبة الأولى جسدية. والثانية أدبية في وسط الجماعة؛ ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهمًا لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم.. ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه. فيكون قوله إذن صحيحًا. ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة.
والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه، وعدم التحرج من الإذاعة به، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة. وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء؛ وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت.
وتظل العقوبات التي توقع على القاذف، بعد الحد، مصلتة فوق رأسه، إلا أن يتوب:
{إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}.
وقد اختلف الفقهاء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى العقوبة الأخيرة وحدها، فيرفع عنه وصف الفسق، ويظل مردود الشهادة؟ أم إن شهادته تقبل كذلك بالتوبة.. فذهب الأئمة مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته، وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قال البهتان فيما قذف؛ فحينئذ تقبل شهادته.
وأنا أختار هذا الأخير لأنه يزيد على التوبة إعلان براءة المقذوف باعتراف مباشر من القاذف.
وبذلك يمحي آخر أثر للقذف. ولا يقال: إنه إنما وقع الحد على القاذف لعدم كفاية الأدلة! ولا يحيك في أي نفس ممن سمعوا الاتهام أنه ربما كان صحيحًا؛ ولكن القاذف لم يجد بقية الشهود.. بذلك يبرأ العرض المقذوف تمامًا، ويرد له اعتباره من الوجهة الشعورية بعد رده من الوجهة التشريعية؛ فلا يبقى هنالك داع لإهدار اعتبار القاذف المحدود التائب المعترف بما كان من بهتان.
ذلك حكم القذف العام. ولكن استثني منه أن يقذف الرجل امرأته. فإن مطالبته بأن يأتي بأربعة شهداء فيه إرهاق له وإعنات. والمفروض ألا يقذف الرجل امرأته إلا صادقًا لما في ذلك من التشهير بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه. لذلك جعل لهذا النوع من القذف حكم خاص:
{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}.
وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج، يناسب دقة الحالة وحرج الموقف. ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته؛ وليس له من شاهد إلا نفسه. فعندئذ يحلف أربع مرات بالله إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا، ويحلف يمينًا خامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وتسمى هذه شهادات لأنه الشاهد الوحيد. فإذا فعل أعطاها قدر مهرها، وطلقت منه طلقة بائنة، وحق عليها حد الزنا وهو الرجم.. ذلك إلا أن ترغب في درء الحد عنها فإنها عندئذ تحلف بالله أربع مرات أنه كاذب عليها فيما رماها به؛ وتحلف يمينًا خامسة بأن غضب الله عليها إن كان صادقًا وهي كاذبه.. بذلك يدرأ عنها الحد، وتبين من زوجها بالملاعنة؛ ولا ينسب ولدها إن كانت حاملًا إليه بل إليها. ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد.
وقد عقب على هذا التخفيف والتيسير، ومراعاة الأحوال والظروف بقوله: {ولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}.
ولم يبين ما الذي كان يكون لولا فضل الله ورحمته بمثل هذه التيسيرات، وبالتوبة بعد مفارقة الذنوب.. لم يبينه ليتركه مجملًا مرهوبًا، يتقيه المتقون. والنص يوحي بأنه شر عظيم.
وقد وردت روايات صحيحة في سبب نزول هذا الحكم:
روى الأمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال: لما نزلت: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا} قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار رضي الله عنه: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟» فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور. والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته.. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وأنها من الله؛ ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء. فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني.. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به؛ واشتد عليه؛ واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، إلا أن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق.. فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي. وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه. يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} الآية فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا» فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسلوا اليها» فأرسلوا إليها فجاءت؛ فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، فذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الاخرة أشد من عذاب الدنيا. فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها. فقالت: كذب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاعنوا بينهما» فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.. ثم قيل للمرأة. اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف. ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما؛ وقضى أن لا يدعى ولدها لأب؛ ولا يرمى ولدها؛ ومن رمى ولدها فعليه الحد؛ وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت لها، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. وقال: «إن جاءت به، أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال.. وإن جاءت به أورق جعدًا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به» فجاءت به أورق جعدا جماليًا خدلج الساقين سابغ الأليتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن».
وهكذا جاء هذا التشريع لمواجهة حالة واقعة بالفعل، وعلاج موقف صعب على صاحبه وعلى المسلمين، قد اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجد منه مخرجًا، حتى طفق يقول لهلال بن أمية كما ورد في رواية البخاري «البينة أو حد في ظهرك» وهلال يقول: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟.
ولقد يقول قائل: أليس الله سبحانه يعلم أن هذه الحالة قد تعترض التشريع العام للقذف؛ فلماذا لم ينزل الله الاستثناء إلا بعد ذلك الموقف المحرج؟
والجواب: بلى إنه سبحانه ليعلم. ولكن حكمته تقتضي أن ينزل التشريع عند الشعور بالحاجة إليه، فتستقبله نفوس الناس باللهفة إليه، وإدراك ما فيه من حكمة ورحمة. ومن ثم عقب بقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}.
ونقف قليلًا أمام هذه الواقعة، لنرى كيف صنع الإسلام، وكيف صنعت تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بهذا القرآن.. كيف صنع هذا بالنفس العربية الغيور الشديدة الانفعال، المتحمسة التي لا تفكر طويلًا قبل الاندفاع. فهذا حكم ينزل بعقوبة القذف، فيشق على هذه النفوس. يشق عليها حتى ليسأل سعد ابن عباده رسول الله صلى الله عليه وسلم أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ يسأل هذا السؤال وهو مستيقن أنها هكذا أنزلت. ولكنه يعبر بهذا السؤال عن المشقة التي يجدها في نفسه من الخضوع لهذا الحكم في حالة معينة في فراشه، وهو يعبر عن مرارة هذا التصور بقوله: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وأنها من الله؛ ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله إني لا آتي بهم حتى يكون قد قضى حاجته!